مقال

معالم في حفظ المتون والمنظومات

[1]
كثيرًا ما يُسمَع هذا السؤال: أي متن أحفظ ؟ وهل أختار هذا أم هذا ؟ وهل الحفظ ضروري لطالب العلم ؟ ونحوها من الأسئلة، مما دعاني إلى كتابة كُتيب صغير في نحو (50) صفحة يحمل هذا العنوان: (معالم في حفظ_المتون والمنظومات) سأنشر خلاصته في سلسلة للإفادة والاستفادة، وأفتتح هذه السلسلة بهذه الكلمات النورانية للعلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى: (ليس العلم رموزًا تُحلُّ، ولا كلماتٌ تُحفظُ، ولا انقباضًا وتكلُّفًا، ولكنَّه نورُ العقل واعتداله وصلوحيته لاستعمال الأشياء فيما يحتاج إليه منها، فهو استكمال النفس والتطهر من الغفلة، والتأهل للاستفادة والإفادة، وما كانت العلوم المتداولة بين الناس إلا خادمةً لهذين الغرضين، وهما: ارتقاء العقل لإدراك الحقائق، واقتدار صاحبه على إفادة غيره بما أدركه هو)اهـ.

[2]
الحفظ والفهم ركنا العلم؛ إذ لا يُوصفُ شخصٌ بكونه عالمـًا إلا إذا حازهما، أو كان متفوقًا في أحدهما متوسطًا في الآخر، فإن فقدهما أو قارب فلن يكون عالمـًا.
وقد تواردت نصوص المتقدمين على الحث على الحفظ، بينما المعاصرون غالبًا ينبهون على أنّ الفهم هو حجر الزاوية.
وأما دعاوى التهوين بأمرِ الحفظ أو الفهم فهي دعاوى للانسلاخ عن طريق علماء الأئمة وأئمتها من الحفاظ والفقهاء الذي اعتنوا بالأمرين معًا دون انتقاصٍ لأحدهما.
لقد جاءت النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية تحث على الحفظ والفهم، وترغّب فيهما، وهناك عوامل ينبغي مراعاتها عند تعارض الحفظ والفهم: منها: السنّ، والبيئة، ونوع االعلم.

[3]
– المتن:
يطلق عند المحدثين على ما يقابل الإسناد.
ويطلق في عُرف أهل العلم وطلبته على الكتاب الذي يحتاج إلى شرح وبيان، فأما ما لا يحتاج إلى شرح فلا يسمى متنًا وإن صغر حجمه.
ويطلق على صاحب المتن “ماتن” أو “مصنف”، وقد يطلق عليه أحيانًا “مؤلف”.
ويطلق المتن على ما جمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كـ(متن عمدة الأحكام)، وعلى ما جمع كلام غيره في العلوم كـ(متن المقدمة الحضرمية). 
– المختصر:
يطلق على ما قلّت ألفاظه سواء كثرت معانيه أم لا.
ويطلق المختصر بمعنيين:
الأول: ما أُخذ من غيره، كـ(المنهاج) مأخوذ من (المحرر) للرافعي، وهذا المختصِر قد يكتفي بالتهذيب والتشذيب، وقد يضيف قيودًا ومحترزات، وتكون له تعقبات.
الثاني: على ما قلّت ألفاظه، وإن لم يؤخذ من غيره، كـ(مختصر أبي شجاع).

[4]
المنظومات:
تطلق على صياغة المسائل العلمية بشعرٍ موزونٍ، غالبًا يكون من الرجز.
والهدف منها تسهيل الحفظ وسرعة الاستحضار للمسائل.
وهي قسمان:
– مرتبطة بكتاب آخر، كنظم (قصب السكر نظم نخبة الأثر)، (نهاية التدريب نظم أبي شجاع)، (الشافي الأنيس نظم الياقوت النفيس).
– مستقلة، كـ(نظم الرحبية في المواريث).
وإذا قاربت المنظومة الألف بيت أو زادت قليلا تسمى (ألفيةً)، كـ(ألفية ابن مالك في النحو)، و(ألفية الحافظ العراقي) في علوم الحديث.
وصار في عُرف بعض طلبة العلم أنَّ النظم قسيم المتن، فيقول مثلًا: هل الأفضل أن أحفظ متنًا أو نظمًا ؟ وهذا غير دقيق، فالمنظومات متون؛ لكونها تفتقر إلى الشرح والإيضاح، ولذا فعطفها على المتون ليس عطف مغايرة، بل عطف خاصٍ على عام.

[5]
نستطيع أن نقول إنَّ العلاقة بين المتن والمختصر علاقة خصوص وعموم، فكل متنٍ مختصر [أي: نسبيًا]، وليس كل مختصرٍ متنًا، فالمختصرات قد تحتاج إلى شرحٍ وإيضاحٍ، وقد لا تحتاج، فـ(روضة الطالبين) للعلامة النووي مختصرةٌ من (الشرح الكبير) للعلامة الرافعي رحمة الله تعالى عليهما، ومع ذلك لا تفتقر إلى شرحٍ بالمعنى الاصطلاحي وإن وُجدت تعليقات وهوامش وحلّ للمشكلات.
ثم المتون قد تكون شاملةً لأمَّات المسائل في العلم أو المذهب الذي أُلّفت فيه، بحسب مستوى الطالب، كمتن (أبي شجاع) للمبتدئ، و(متن الزبد) أو (عمدة السالك) للمتوسط، ومتن (منهاج الطالبين) للمنتهي، وقد يكون المتن أو النظم مقتصرًا على بابٍ فقهيٍّ أو مسائلَ معينة في فنٍّ ما، كالمقدمة الحضرمية في ربع العبادات للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن بافضل، (والمختصر اللطيف)، و(العدة والسلاح في أحكام النكاح) للعلامة محمد بافضل، و (إحكام أحكام النكاح) للعلامة المليباري.
والتمثيل يقع غالبًا بكتب الشافعية رحمهم الله تعالى.

[6]
من الآثار الإيجابية للمتون العلمية أنها:

  1. تيّسر حفظ المسائل على الطلبة.
  2. المتون تقصِّر المسافات الزمنية لطالب العلم؛ إذ تجمع مهماتِ مسائل العلم في كتاب صغير الحجم.
  3. يسهل حملها واصطحابها في غالب الأحوال؛ مما يسهّل المذاكرة.
  4. تشحذ الهمَّة في طلب العلم وتنشط النفس.
  5. المتون تحقق التدرج في طلب العلم، فيبدأ الطلاب بصغارها قبل كبارها.
  6. تراعي مراتب الطلاب؛ لتنمو قدراتهم وتترسخ ملكاتهم.
  7. تثبت المسائل بشروطها وضوابطها في أذهان االطلبة.

[7]
من الآثار السلبية للمتون العلمية:

  1. أن بعضها صار بالألغاز أشبه مما جعلها عسرة الفهم، حتى تنافس مصنفوها في إيجازها.
  2. ربما صارت عائقًا لبعض الطلبة عن قراءة المطولات لاعتكافه عليها.
  3. ربما أدّت إلى عدم اكتساب الطالب الدربة لاستنباط الأحكام من النصوص الشرعية؛ فالمتون تُكسب الطالب التلقي دون التدرب على التعامل مع الأدلة الشرعية.
  4. كون هذه المتون قد لا تلبي حاجات العصر الحديث، فيعيش الطلبة في عزلةٍ علمية عن واقعهم.

[8]
في المنشور [7] ذكرتُ بعض الجوانب السلبية التعلقة بالمتون والمنظومات، وهذه بعض الحلول لها:

  • اختيار المتون التي تبتعد عن الإيجاز إلى درجة الإلغاز خاصةً للمبتدئين في طلب العلم.
  • ذكر بعض المسائل المرتبطة بواقع الطلبة أثناء تدريس المتون، فمن المناسب للمعلم ذكر كيفية طهارة المريض، وصاحب الأطراف الصناعية مثلًا، وذكر كيفية تطهير الثياب بالغسَّالة، وذكر حكم سقي الأشجار بالمياه المتنجسة، وحكم لمس المصااحف الإلكترونية، فهذه المسائل لم تتناولها المتون ومن المناسب طرقها عند تدريسهم أبواب الطهارة؛ طبعًا المعلم ينقل لطلابه آراء علماء المذهب الذي يدرسهم متنه.
  • لا بد من تكليف الطلبة بالقراءة المصاحبة، ففمثلًأ: لو كانوا يدرسون فتح القريب المجيب على متن أبي شجاع، فالمعلم يطلب من بعضهم قراءة (شرح الإقناع)، ومن بعضهم قراءة شرح (كفاية الأخيار) ويضع أسئلة على كل كتاب ليتحقق من مدى قراءتهم، ويعقد مجلسًا أسبوعيًا أو شهريًا لمناقشة ما أشكل عليهم.
  • الاهتمام بمادة أحاديث الأحكام التي تبيّن أدلة المذهب بعد أن يتقن الطالب كتب المرحلة الأولى في دراسته.

[9]
المعلَم الأول: البدء بحفظ القرآن الكريم.
جرت عادةُ العلماء أنَّهم يبدأون أولًا بحفظ القرآن الكريم، بل ويمنعون من الرحلة في طلب العلم حتى يتموه حفظًا، قال الحافظ ابن خزيمة: (استأذنتُ أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولا حتى آذن لك، فاستظهرتُ القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلتُ، فلما عيَّدنا، أذن لي، فخرجت إلى مرو، وسمعتُ بمرو الروذ من محمد بن هشام – صاحب هشيم – فنُعي إلينا قتيبة).
إنَّ هذه القصة تشير إلى المنهج المتبع لدى العلماء، وذلك ما أشار إليه العلامة جمال الدين القاسمي بقوله: (وأول ما يبتدىء به حفظ القرآن العزيز فهو أهمُّ العلوم، وكان السلف لا يعلّمون الحديث و الفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعلايضه للنسيان)اهـ
نعم إذا كان طالب العلم يتمتع بحافظة جيدة فيمكنه أن يحفظ متنًا أو متنين مع حفظه للقرآن، لكن لا ينبغي أن يقدم شيئًا على حفظه؛ فهو كتاب الله عزوجل المتعبد بتلاوته، وحفظُهُ مقصودٌ لذاته بخلاف حفظ غيره.

[10]
المعلَم الثاني: حفظ الحديث النبوي بعد حفظ القرآن الكريم.
ليس المراد بالبعدية أنَّه لا يشرع في حفظ الأحاديث النبوية إلا بعد إتمام القرآن في كل الأحوال، بل المراد أنَّه إذا لم يستطع أن يجمع بين حفظ القرآن الكريم وحفظ غيره، فليقدِّم القرآن ثم الحديث.
وحفظ الحديث النبوي مقدَّمٌ أيضًا على حفظ المتون التي وضعها العرب، فالحديث النبوي من جملة الوحي، والوحي نور الله تعالى لا يقارنه شيءٌ من كلام البشر مهما بلغت منزلتهم.
وليحفظ من الأحاديث النبوية قدرًا لا ينبغي الإخلال به كالأربعين النووية وعمدة الأحكام للحافظ المقدسي، وجملة صالحةً من رياض الصالحين للعلامة النووي خاصةً في فضائل الأعمال.
وحفظ عمدة الأحكام أيسر من حفظ بلوغ المرام؛ لصغر حجمه، وإيراده الأحاديث كاملة، وكلها في الصحيحين أو أحدهما، فإن علتِ الهمَّة فليحفظ بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني.

[11]
المعلَم الثالث: المتن الذي تدْرسُهُ مقدَّم على غيره.
الذي يحفظ متنًا أو نظمًا لا يدرسه لا تحصل له الفائدة التامة من حفظه، فمثلًا: إذا كان الطالب يدرس نظمَ الزبد لابن رسلان فلا ينبغي أن يتشاغل بحفظ نظم “نهاية التدريب” أو “التيسير نظم التحرير”، كلاهما للعمريطي، وإذا كان يدرس متن أبي شجاع فليحفظ نظمه، وهو “نهاية التدريب” فحينئذٍ هو مقدّم على نظم الزبد.
لأنَّ دراسة المتن أو النظم وقراءة شروحه ستُيَسر له الفهم للمسائل التي ضُمّنت، والحفظ مع الفهم أرسخ وأثبت.

[12]
المعلَم الرابع: الأصل أن تحفظ متنًا أو نظمًا واحدًا في كل فنٍّ.
حفظ المتون والمنظومات ليس مقصودًا لذاته بل لغيره، فالهدف منه ضبط العلوم والمسائل والتقاسيم وسرعة استحضارها عند الحاجة، ولذا فينبغي للطالب أن يختار متنًا جامعًا لمهمات مسائل الفنّ ويشرع بحفظه عازمًا على أن يقتصر على ذلك المتن، لا أن يكون عزمه أن يحفظ متنًا ثانيًا وثالثًا في ذات الفنّ، قال العلامة القاسمي: (وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فنٍّ مختصرًا)اهـ
قد رأيتُ بعض الزملاء حفظ نظم الآجرومية ثم بعد مدة شرع في حفظ ملحة الإعراب للحريري ثم شرع في حفظ ألفية ابن مالك، وثلاثتها في النحو، وكان ربما يريد الاستشهاد ببيت من نظم الآجرومية فتتداخل عليه أبياتٌ متشابهةٌ من المنظومتين الأخريتين، غير أنَّه أفنى كثيرًا من الوقت في حفظ هذه المنظومات الثلاث.
واللائق بمثل هذا أن ينظر إلى استعداد حافظته و رغبته في التخصص، فإنت حافظته ممتازة وهو راغب في التخصص في علوم العربية أو ما له علاقة ماسة بعلوم العربية كالتفسير فليحفظ الألفية وليعتكف على شروحها، وإلا فليكتفِ بحفظ المهمّ من الألفية أو حفظ الملحة، أو نظم الآجرومية على أقل المراتب.

[13]
المعلَم الخامس: من كان ضابطًا لمهمات مسائل الفنّ فلا ضرورة لحفظ متن. 
المقصد الأهم من حفظ المتن هو سرعة استحضارهم للمسائل واستذكارهم لها، وإن كانت ثمَّت مقاصد أخرى كتقوية القدرة على التعبير بلغة أهل الاختصاص من الفقهاء أو المحدثين أو الأصوليين أو غيرهم بحسب المتن، كما أنَّها تساعد على بناء تصور شامل لذلك الفنّ؛ إلا أنَّ هذه الأمور يمكن حصولها من خلال دوام المدارسة والاطلاع، ولذا فمن وجد نفسه ليس بحاجةٍ إلى حفظ المتون العلمية لضبطه أصول العلم ومهماته فليستفرغ همّته وجهده في الفهم وإعمال الفكر لتطوير الملكة فهذا أنفع له وأحفظ لوقته.

[14]
المعلَم السادس: المتن الذي اعتنى به العلماء مقدَّمٌ على غيره.
ذلك لأنَّ عناية العلماء بكتابٍ يدل – غالبًا – على قبولهم له، وأهميته في ذلك الفنّ، كما يدل على بركته وإتقانه.
وتعرف عناية العلماء بمتن من خلال: إقبالهم على شرحه، فتكثر شروحه، أو تدريسه وتقريره لطلابهم، أو ثنائهم عليه وإشادتهم به، ونحو ذلك.
وقد يكون متنٌ ما له شروحٌ كثيرةٌ، لكنَّها مخطوطة أو مطبوعة لكنها غير متوفرة في البلد، فيقدَّم المتنُ ذو الشروح المطبوعة و المتوفرة عليه.

[15]
المعلَم السابع: أن يقدِّم حفظ المنظوم على المنثور.
فالمتون النثرية – غالبًا – أكثر إحكامًا وأدقُّ تعبيرًا من المنظومات، ويظهر ذلك من نثر الكافية ونظمها وكلاهما لابن الحاجب، ومتن جوامع الجوامع للتاج السبكي ونظمه للحافظ السيوطي.
المعلَم الثامن: تجشَّم المتن الأهم في الفنِّ الذي ترغب أن تتخصص فيه.
فالذي يريد التخصص في أصول الفقه لا يقتصر على حفظ الورقات دون نظم جمع الجوامع للحافظ السيوطي، والذي يريد التخصص في النحو لا ينبغي أن يقتصر على نظم الآجرومية ويترك الألفية، وهكذا.

[16]
المعلَم العاشر: إذا عجز الطالب عن حفظ متنٍ كاملٍ فليأخذْ منه ما يحتاجه.
فمن لم يستطع حفظ المتن أو النظم كاملًا، فليقتصرْ منه على المواضع التي تضمَّنتِ الشروط والأركان والضوابط، وليتركْ المقدمة والخاتمة ونحو ذلك مما لا تشتدُّ الحاجة إليه.
فعلى سبيل المثال: في الفرائض قد يحتاج إلى أصحاب الفروض والعصبات و حفظ باب الجد والإخوة من الرحبية دون غيرها، فيمكنه أن يختصر النظم في ذلك، ويجعل لنفسه دفترًا خاصًا يجمع فيه ما يحتاج إلى حفظه من متون متعددة؛ ليسهل عليه مذاكرتها.

[17]
المعلَم العاشر: المتن الواضح مقدَّم على غيره.
المتون تتفاوت فيما بينها وضوحًا وغموضًا؛ لأسبابٍ عديدةٍ:
– منها حجم المسائل التي يُرادُ تضمينها في المتن؛ إذ كلما كثُرت المسائلُ واختُصرت الألفاظ زاد غموضُ المتن.
– ومنها الزمن الذي كُتبتْ فيه، فالمتون التي كتبها المتقدمون غالبًا أوضح معنىً من تلك التي كتبها المتأخرون، الذين تنافسوا في ميدان الاختصار.
قال الطاهر بن عاشور: (ثم تكاثرت العلوم وقوي ميل الطلبة إلى الاطلاع على جميعها، والمشاركة فيها كما بيّنا في ذكر أحوال العلم والتعليم، فنشأ في الناس ميل إلى طريقة الاختصار، فابتدأ العلماء في تأليف المختصرات ابتداءً من أواخر القرن الرابع فسلكوا بها في أول الأمر مسلكًا محمودًا هو إلى وصف التهذيب أقرب منه إلى وصف الاختصار، مثل(مختصر المدونة) لابن أبي زيد، ثم ذهب المؤلفون يزيدون في الاختصار، فنشأت الحاجة إلى الشروح ليكون المختصر صالحًا لحفظ التلميذ والشرح لتوقيف الأستاذ)اهـ.
ولما كان الغرض من حفظ المتون هو ضبط أمَّات مسائل العلم كان المتن الواضح أنفع لتحقيق هذا المقصود من غيره.

[18]
المعلَم الثاني عشر: ينبغي مراعاة قصد واضع المتن منه.
جرت عادةُ مصنفي المتون العلمية أنَّهم يذكرون في بداية متونهم الأسباب الباعثة على التصنيف أو الغايات، أو كليهما، ومن خلال تلك المقدمات تعرف مقاصدهم الباعثة لكتابة تلك المتون.

– فالعلامة أبو شجاع ذكر أنَّ متنه موضوعٌ ليدرسه المتعلم، وأنَّه أكثر فيه من التقسيمات.

– وقبله الإمام ابن أبي زيد القيرواني في أول متن الرسالة قال: (فإنَّك سألتني أن أكتب لك جملةً مختصرةً من واجب أمور الديانة .. لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان)اهـ.

– وقال ابن رسلان في مقدمة نظم الزبد:
وهذه زبدٌ نظمتُها
أبياتها ألفٌ بما قد زدتُها
يسهل حفظها على الأطفال
نافعة لمبتدي الرجال
فهذه المتون وُضعت للمبتدئين فينبغي أن تُشرح على نحو يناسب المبتدئين، لا أن يتوسع الأستاذ في شرحها حتى يخرج عن مقصود واضعها.

قال د. هيثم بن فهد الرومي: (وحينئذٍ نعلم الخطأ الذي يقع فيه البعض حين يتخذون للتدريس كتبًا لم تُوضع لأجله؛ كمختصر خليل الذي قال عنه مؤلفه الشيخ خليل بن إسحاق: (فقد سألني جماعةٌ أبان الله لي ولهم معالم التحقيق، وسلك بنا وبهم أنفع طريق، مختصرًا على مذهب الإمام مالك بن أنس – رحمه الله تعالى – مبيّنًا لما به الفتوى)، فبيَّن أنَّه إنما أراد بمختصره أن يجمل المسائل التي عليها الفتوى في المذهب المالكي، ولذا جاء في مختصره غزيرًا بالمسائل و ذلك ما لا يناسب المتفقه المبتدئ، وإنَّما يناسب الفقيه المنتهي الذي يحفظه ليضبط به أكبر قدر من المسائل والفروع منطوقًا ومفهومًا، قال الحجوي: (لكن في الحقيقة أنَّ الذي أجهز عليه – أي الفقه – هم الذين جعلوه – أي مختصر خليل – ديوان دراسة للمبتدئين والمتوسطين، وهو لا يصلح إلا للمحصّلين على أنَّ صاحبه قال في أوله، (مبيّنًا لما به الفتوى)، ولم يقل: (جعلته لتعليم المبتدئين) فلا لومَ عليه)اهـ.

[19]
المعلم الثاني عشر: المتن المصحح والمضبوط مقدَّم على غيره.
فأحيانًا يحفظ الطالب متنًا من طبعة سقيمة حُرّفت بعض كلماتها أو سقطت، ثم يُتعب نفسه في التصحيح بعد الحفظ، وكان ينبغي أن يحرص أولًا على أفضل طبعة خرج بها المتن لتكون مناسبةً للحفظ، قال العلامة ابن جماعة في أثناء نصائحه في تذكرة السامع والمتكلم (ص114): ( أن يصحح ما يقرأه قبل حفظه تصحيحًا متقنًا … ولا يحفظ شيئًا قبل تصحيحه؛ لأنَّّه يقع في التحريف والتصحيف)اهـ.

[20]
ينبغي أن يراعي الطالب سنّه فكلما تقدّم في السن يُفضَّل أن يكون اهتمامه بالفهم أكثر من الحفظ، بخلاف الصغير الذي ينبغي أن يُوجَّه إلى الحفظ، فالحفظ يضعف في الكبر غالباً وينبسط الفهم، مع أنّ الحافظة والذاكرة كالعضلة التي إذا تمرنت على الحفظ وتعودت عليه قويت وتوسعت، وإذا تُركت كلَّت وضعفت.
قال الطاهر بن عاشور : (وقد رأوا حافظة الصغير قوية الوعي لما يُودَع فيها، وأنَّ فهم الكبير يحول تدريجيًا بينه وبين الاستكثار من الحفظ، فرأوا أن يُزودوا حوافظ الصغار من القرآن وألفاظ متون العلوم بدون إفهام، ثم يكرُّون على ذلك بالتدريس والإفهام)اهـ من أليس الصبح بقريب.
وقديمًا قالوا: #الحفظ_في_الصغر_كالنقش_في_الحجر

[21]
ينبغي للطالب أن يراعي حال نفسه، فالناس يختلفون فمنهم من فُتح عليه بالحفظ، ومنهم من فُتح عليه بالفهم، ومنهم من فُتح عليه بهما، ومنهم من حُرم منهما.
فإذا كان الطالب يرى أنَّ حافظته لا تساعده على حفظ المتون العلمية الكبيرة فليكتفِ بالصغيرة، وإذا كان لا يطيق الحفظ فليهتمّ بالفهم، وقد كان جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى يستصعب الحفظ حتى ذُكر عنه أنه حفظ مرة خمسة أبيات فمرض وأصابته الحمى، لكن فُتح عليه في الفهم، حتى صارت كتبه مما يعتكف عليه العلماء وكثرت حولها الحواشي، وعلى عكسه الحافظ جلال الدين السيوطي كان سريع الحفظ قوي الذاكرة، لكنه يقول عن علم الحساب الذي هو مرتكز الفهم: (وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلًا أحمله)اهـ.
#كل_ميسر_لما_خُلق_له

12 فكرة عن “معالم في حفظ المتون والمنظومات”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + عشرة =

من رسائل الطلبة المشاركين في البرنامج
أكاديمية غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية
صورة الشيخ إبراهيم رفيق
بإشراف الشيخ / إبراهيم رفيق الطويل
لوجو موقع غراس العلم
انتقل إلى أعلى