مقالات

“هناك ظروف تمنعني من الاستمرار في طلب العلم”!!..

كم هم الذين يتطلعون لطلب العلم وتحصيله ويضعون أقدامهم على بداية طريقه ثم سرعان ما يعودون أدراجهم إلى الوراء عند أوّل عقبة يصطدمون بها تاركين وراءهم كل آمالهم وآمال أمتهم ، وقد سلّموا أعنتهم للدنيا تقودهم حيثما شاءت وكيفما شاءت ؟!

لكن لماذا ؟!

ما هو السبب الكامن خلف كل خيبة أمل؟!

هل هذه الحياة بالتزاماتها وعوائقها وعلائقها أقوى من عزائمنا وآمالنا أم هناك علل خفية يغفل عنها طالب علم هي التي تقف خلف كل هزيمة ؟!

لعلّ هذه الومضات ترفع ستراً عن تلك الحقائق المرّة التي نتجرعها ولكنّنا من لذّة سكرها لا نودّ البوح بها..

 اعلم – رعاك الله – أن طلب العلم اصطفاء إلهيّ، يجتبي الربّ – سبحانه وتعالى- فيه قلوباً هيّأها وأصلحها لحمل أمانة العلم بجدّ وإخلاص وتفانٍ ، فوالله ما طلب العلم بالتحلي ولا بالتمني وإنما هو

محض توفيق واختيار، يقول ابن القيم – رحمه الله – ” الله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وفرعاً” ، أي بالنبوة وبميراثها وهو العلم. 

إياك أن تظن – عبد الله – أنك ستصبح طالب علم بمجرد قبولك في كليّة الشريعة في جامعة ما أو حصولك على لقب من ألقابها، أو أصبحت مدرساً لك مكتبك ورتبتك.

إياك أن تظن أنّك طالب علم بمنشور تجمعه من هنا وهناك ثم تضعه على وسائل التواصل فينال استحسان محبيك فيغدقون عليك بعبارات الثناء : ” هكذا هم أهل العلم !! “، ” نفعنا الله بعلومكم شيخنا !!” …لا ألوم العامّة فهم يقيسون الأمور بمنظورهم المحدود.

 إياك أن تظن أن التفاف طائفة من جهلة الخلق حولك يقبّلون رأسك ويشيدون بذكرك كفيل بأن يصنع منك طالب علم.

أخي الحبيب …هذه كلها مظاهر زائلة قد تفقدها في لحظة ما فلا تُخدع ببريقها، لكن توهّم نفسك وقد  أغلقت وسائل التواصل، وفقدت جمهورك، وأوحشت الطريق ، وها أنت تسير وحدك ، هل ستبقى طالب علم ؟!!

كم من مُدّع للعلم خفت بريقه وانكشف زيفه حينئذ ؟!!، تكاد تسمع بأحدهم فيطير قلبك شوقاً لمجالسته وثني الرّكب بين يديه فإذا لقيته وسمعت حديثه عرفت أن الخبر ليس كالمعاينة!!

إذا تبصّرت ذلك فعليك أن تترك هذه الترّهات والمظاهر الزائفة ، وأقبل على من بيده الاختيار، فمرّغ جبينك بين يديه، واسأله أن يصطفي هذا القلب لينال شرف طلب العلم وتحصيله، اسأله أن يصرف عنك الشواغل والعوائق والعلائق، فوالله وتالله لئن صرف الله قلبك عن العلم فلن تعود إليه أبدا.

الذي يقرر أنك ستكون طالباً للعلم حقاً ، وأنك ستنجح في مسيرتك ، وأنك ستحقق وتنجز ليس أنت بل الله- سبحانه وتعالى- ، فاقرع بابه بصدق وأر الله منك ما يرضيه.

إذا صرفك الله عن طلب العلم وأشغلك بدنياك، ووجدت الحياة تسوقك ولا تسوقها، وتصرعك ولا تصرعها، فلا تبدأ تتعذر وتقول : ظروف الحياة يا شيخ تمنعني من الطلب !! هناك مشاغل تحول بيني وبين إكمال الطريق!! …إلى آخر مسلسل الأعذار الذي تحاول فيه أن تبرر لنفسك تراجعها وانهزامها.

  … عد إلى نفسك                                   

فلربما أحدثت ذنباً في خلوة صرف الله عنك العلم  بسببه وأشغلك بالدنيا وجعلها متزاحمة عليك ضائقة بك.

  … عد إلى نفسك

فلعلك كنت تطلب بالعلم وجه الناس ولعلك كنت منافقاً مرائياً طالب مدح لا طالب علم وأنت لا تشعر.       

   … عد إلى نفسك

فلعلّك أغفلت قلبك ولم تعمره بحب مولاك وخالقك، ولعلّك لم تعمر لسانك بذكره ولم تحدث الروح عنه.

لا أظن -عبد الله- أنّ مشاغلك وهمومك أكثر من همّ الإمام أحمد والبخاري والترمذي وأبي طاهر وابن منده ونحوهم الكثير الكثير ممن لا أحصيهم من علماء الأمة الأفذاذ حين هجروا أوطانهم، وقطعوا فيافي وقِفار لا يدرون هل ستكتب لهم الحياة أم تتخطفهم السباع والطير؟!!.

لا أظن الشافعي والقاسم وابن جريج والجرجاني كانوا أكثر منك مالاُ وأوفر حالاً وألين عيشاً ، ولا أظنهم يجدون ما تجده أنت الآن من الكتب المطبوعة بأفخم الطبعات وتوافر الأقلام والأوراق!!

لا أظنهم كانوا يستطيعون الوصول من بغداد إلى الحجاز ومن الحجاز إلى اليمن ثم إلى مصر ثم يعودون لبغداد مرة أخرى إلى بالأشهر العديدة والأيام المديدة، وأنت تجلس في بيتك بقربك طعامك وشرابك وتستطيع الوصول لكل ما تحتاجه من علوم وفنون من خلال شبكات الاتصال!!

لكن ما أظنّه وأعتقده أنّ أبا حنيفة ومالك والأوزاعي كانوا عاشقين للعلم فلم يؤثروا عليه نصيباً من الدنيا، أظن أنّهم لم يكونوا يجلسون ويسهرون ويتحدثون كثيراً كما نفعل ، ولم يكونوا يبحثون عن مسالك الشهرة والظهور وجمع الثناء ، لم يكن الفقر مانعاً لهم من طلب العلم بل كانوا يفقرون لطلب العلم..

باختصار.. هم أصحاب قلوب نقية طاهرة صدقت الله وراى الله منها ما يرضيه عزيمة وإخلاصاً  فنالت الإمامة في الدين.

قد يقول قائل : هل يجب أن أصبح عالماً ؟

بالطبع لا ، بل حتى في زمن السلف لم يتأهل كل طالب علم لأن يكون عالماُ ، فقد يتهيأ لفلان من الظروف ما لا يتهيأ لغيره، لكن الحدّ الأدنى لمن شرع في طلب العلم أن يموت في طريقه ” ومن يخرج من بيته مهاجراُ إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ” ، الحد الأدنى أن تهاجر بقلبك وفكرك إلى سماء الوعي والفكر وصناعة واقع جديد لهذه الأمة مهما بلغ علمك، فكل اللبنات مهمّة الآن في بناء الأمة من جديد، وبقدر ما يصبح العلم ثقافة دارجة يُتكلّم بها ويُعرف حقها ويُقدّر أهلها بقدر ما نتقدم في صناعة الأفضل لهذه الأمة.

رجاء…

توقف عن مسلسل الأعذار، وإن حُرمت العلم بعد ولوجك فيه فابك على نفسك ، واستغفر من خطيئتك فلعل رحمة الله تدركك.

كن واثقا أخي الحبيب …

من أراده الله لهذا الدين ألان له الحديد، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن صرفه الله عن العلم فوالله لو ملك الدنيا بأسرها وجالس ابن حنبل والغزالي والجويني وابن تيمية فلن ينال إلا التراب.

24/ 9 / 2018

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + ستة =

من رسائل الطلبة المشاركين في البرنامج
أكاديمية غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية
صورة الشيخ إبراهيم رفيق
بإشراف الشيخ / إبراهيم رفيق الطويل
لوجو موقع غراس العلم
انتقل إلى أعلى